الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
42
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
يذمّها وقد أذنت ببينها ، ونادت بانقطاعها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثّلت ببلائها البلاء ، وشوّقت بسرورها إلى سرور ، تخويفا وترغيبا إذا ابتكرت بعافية راحت بفجيعة ، فذمّها رجال فرّطوا غداة النّدامة ، وحمدها آخرون اكتسبوا فيها الخير فيا أيّها الذّام للدنيا المغترّ بغرورها ، متى استذمّت إليك ، أم متى غرتك أبمضاجع آبائك من البلى أم بمصارع أمّهاتك تحت الثّرى كم مرّضت بيديك وعالجت بكفّيك تلتمس لهم الشّفاء وتستوصف لهم الأطباء لم تنفعهم بشفاعتك ولم تسعفهم في طلبتك مثّلت لك - ويحك - الدّنيا بمصرعهم مصرعك وبمضجعهم مضجعك حين لا يغنى بكاؤك ولا ينفعك احبّاؤك ( 1 ) . ورواه ابن أبي شعبة في ( تحفه ) مرفوعا عن جابر الأنصاري أبسط ، فقال : قال جابر كنّا مع أمير المؤمنين عليه السّلام بالبصرة ، فلمّا فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا من آخر الليل ، فقال : فيهم أنتم قلنا : في ذمّ الدّنيا فقال : على م تذّم الدّنيا يا جابر ثمّ حمد اللّه وأثنى عليه وقال : أما بعد فما بال أقوام يذمّون الدّنيا انتحلوا الزهد فيها ، الدّنيا منزل صدق لمن صدّقها ، ومسكن عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد فيها ، مسجد أنبياء اللّه ، ومهبط وحيه ، ومصلّى ملائكته ، ومسكن أحباّئه ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرّحمة وربحوا منها الجنّة فمن ذا يذمّ الدّنيا يا جابر وقد آذنت ببينها ونادت بانقطاعها ونعت نفسها بالزّوال ومثلت ببلائها البلاء وشوّقت بسرورها إلى سرور راحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية ترهيبا وترغيبا يذمّها قوم عند النّدامة حدّثتهم جميعا فصدقتهم وذكّرتهم فذكروا ووعظتهم فاتّعظوا وخوّفتهم فخافوا وشوّقتهم فاشتاقوا فأيّها الذّامّ للدّنيا المغترّ بغرورها متى استذمّت
--> ( 1 ) الأمالي للطوسي : 207 ح 2 .